بن عيسى باطاهر
104
المقابلة في القرآن الكريم
واللّه سبحانه له ملك السماوات والأرض ، لا يشاركه في ذلك أحد وهو يحيي ويميت أي يهب الحياة المادية والحياة المعنوية الروحية لمن شاء من عباده ، كما أنه يميت من يشاء من الأجسام والأرواح بمقتضى إرادته ، ومن كانت هذه هي قدرته وإرادته فهو المستحق وحده للتشريع ، وهو محلّل الحلال ، ومحرّم الحرام ، كل ذلك ليميز الخبيث من الطيب . وقال تعالى : وَقالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقالَتِ النَّصارى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْواهِهِمْ يُضاهِؤُنَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ ( 30 ) اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلهاً واحِداً لا إِلهَ إِلَّا هُوَ سُبْحانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ [ التوبة : 30 - 31 ] . إن الحديث في هاتين الآيتين هو عن أهل الكتاب ، وهم اليهود والنصارى ، وهو حديث عن تصوراتهم ومواقفهم من قضايا العقيدة والتشريع ، وقد جاءت هذه الآيات لتبيّن ما حلّ بهاتين الديانتين السماويتين من تشويه وانحراف عن الأصل وعن المنهج الإلهي ، وقد وردت أحاديث عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم تفسّر هذه الآيات ، وتوضّح حقيقة اتخاذ الأحبار أربابا من دون اللّه ، وأنّ الأمر يتعلق بالحلال والحرام اللذين نازع فيهما العباد ربّ العباد . « روى الإمام أحمد والترمذي وابن جرير من طرق عن عدي بن حاتم رضي اللّه عنه أنّه لمّا بلغته دعوة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فرّ إلى الشام ، وكان قد تنصّر في الجاهلية ، فأسرت أخته وجماعة من قومه ، ثم منّ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم على أخته وأعطاها ، فرجعت إلى أخيها فرغّبته في الإسلام ، وفي القدوم على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فقدم عديّ المدينة ، وكان رئيسا في قومه طيئ ، وأبوه حاتم الطائي المشهور بالكرم ، فتحدّث الناس بقدومه ، فدخل على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وفي عنق عديّ صليب من فضة ، وهو يقرأ هذه الآية اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ قال : فقلت : إنهم لم يعبدوهم ، فقال : بلى ، إنهم حرّموا